محمد متولي الشعراوي
6422
تفسير الشعراوى
وكلمة ( الفريقين ) جاءت في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها ؛ لأن كل فرقة تضم جماعة مختلفة عن الجماعة الأخرى ، ولهؤلاء متعصبون ، وللآخرين متعصبون . ويضرب الحق سبحانه وتعالى في هذه الآية المثل بسيّدى الحواس الإدراكية في الإنسان ، وهما السمع والبصر ، فهما المصدران الأساسيان عند الإنسان لأخذ المعلومات ، إما مسموعة ، أو مرئية ، ثم تتكون لدى الإنسان قدرة الاستنباط « 1 » والتوليد مما سمعه بالأذن ورآه بالعين . ولذلك قال لنا الحق سبحانه : وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 78 ) [ النحل ] إذن : فما دام الحق سبحانه قد جعل السمع والأبصار والأفئدة مصادر تأتى منها ثمرة ، هي المعلومات وتمحيصها « 2 » ، فالحق سبحانه يستحق الشكر « 3 » عليها . ونحن نعلم أن الطفرات « 4 » الحضارية وارتقاءات العلم ، إنما تأتى بمن سمع ومن رأى ، ثم جاءت من الاستنباط أفكار تطبيقية تفيد البشرية .
--> ( 1 ) الاستنباط : استخراج الماء من باطن الأرض . ومن المجاز : استنبط الرأي الصحيح : استخرجه ببحثه وفكره كمن يستخرج ماء من البئر . يقول تعالى : وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ . . ( 83 ) [ النساء ] . ( 2 ) تمحيص الشئ : اختباره وفحصه بدقة . [ المعجم الوسيط ] بتصرف . وقال تعالى : وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ ( 141 ) [ آل عمران ] أي : يطهرهم ويخلصهم من العيوب ومن المنافقين ويقضى على الكافرين . وقال تعالى : وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ . . ( 154 ) [ آل عمران ] أي : يطهر الإيمان الذي في قلوبهم من الوساوس والشكوك . [ القاموس القويم ] . ( 3 ) الشكر : مقابلة النعمة بالقول والفعل والنية ، فيثنى على المنعم بلسانه ، ويذيب نفسه في طاعته ويعتقد أنه موليها . ( 4 ) طفرات : جمع طفرة ، وهي وثبة في ارتفاع . وقد طفر يطفر : وثب في ارتفاع . [ انظر لسان العرب ] .